الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

كيف ترى قيادات الكرملين علاقات روسيا بالدول العربية؟



ملف الأهرام الإستراتيجي - د . نورهان الشيخ

يبدو أنه يجب إعادة تقييم العلاقات الروسية العربية كل فترة، فقد أثارت زيارة الرئيس السـورى بشار الأسد لروسيا الاتحادية
فى أواخر يناير (2005) وما صاحبها من حملة إعلامية وسياسية إسرائيلية وجهود أمريكية مكثفة لعرقلة أى محاولة لعودة التعاون العسكرى الروسى السورى على المستوى الاستراتيجى، العديد من التساؤلات حول رؤية الرئيس بوتين وقيادات الكرملين للعلاقات مع العرب؟، وما يرتبط بذلك من قضايا كحجم النفوذ اليهودى داخل روسيا، ومدى تأثيره على عملية صنع القرار فى روسيا، وهو ما قد ينطبق بدرجة أو بأخرى على أية محاولة عربية للاقتراب من روسيا

وفى إطار محاولة الإجابة على مثل هذه التساؤلات تبرز مجموعة من الملاحظات، التى تجيب فى النهاية على سؤال أهم وهو : كيف نفهم روسيا فى الوقت الحالى
أولها، استمرار التوجهات الأساسية للقيادة الروسية فيما يتعلق بالعالم العربى، وإن كانت هذه التوجهات قد شهدت تفعيلا واضحا منذ وصول بوتين للسلطة، بعد الجمود الذى أصاب السياسة الروسية بصفة عامة وتجاه العالم العربى خاصة فى أواخر عهد الرئيس الروسى السابق بوريس يلتسين. فما زالت الدول العربية لا تحتل المكانة المأمولة فى أولويات القيادة الروسية، ولم تستطع الدول العربية جذب التأييد الروسى للقضايا العربية على النحو الذى تطمح إليه، ويرتبط ذلك بالمصالح الروسية فى المنطقة والتى لا زالت محدودة ودون المستوى الذى تسعى روسيا لتحقيقه

الحلقة المفقودة

إن الدول العربية لم تنجح فى ربط روسيا بشبكة من المصالح تستطيع من خلالها التأثير على مسار وتوجهات السياسة الروسية وتفعيل دورها فى المنطقة. فالاستثمارات العربية فى روسيا لا تذكر، والتبادل التجارى بين روسيا والدول العربية ضئيل، كما أن صادرات روسيا من الأسلحة للدول العربية ما زال أدنى من المستوى الذى تطمح إليه روسيا، وذلك رغم رغبة القيادة الروسية فى إحياء هذا التعاون ودفعه قدماً، واستعداد روسيا لتصدير7 أسلحة متقدمة تكنولوجيا قد لا تقدم الولايات المتحدة على تزويد الدول العربية بها لاعتبارات خاصة بالرؤية الأمريكية لتوازنات القوى فى المنطقة، وما يجب أن تكون عليه
ورغم الانتعاشة النسبية التى شهدها التعاون العسكرى العربى الروسى منذ تولى بوتين السلطة فى ظل سعى روسيا إلى استعادة مكانتها كمصدر رئيسى للسلاح فى المنطقة العربية، من خلال تنشيط صادراتها إلى عدد من حلفائها التقليديين، ومحاولة فتح أسواق جديدة فى الأردن ودول الخليج العربى من ناحية، إلا أن هذا التعاون مازال أقل من الإمكانات والفرص المتاحة
ثانيها، أنه رغم الاحترام الشديد الذى تكنه وتبديه القيادة الروسية للدول العربية كافة إلا إنه من الناحية الفعلية تتباين مكانة الدول العربية فى أولويات واهتمامات السياسة الروسية فى المنطقة لأسباب مصلحية وأمنية. وما زالت دول الطوق أو دول الشرق الأوسط من منظور الخارجية الروسية والتى تضم الحلفاء التقليديين والسابقين لروسيا، ودول الخليج العربى تحتل أولوية بهذا الشأن للأسباب المصلحية سالفة الذكر
ثالثها، أن القيادة الروسية تبدى تأييداً واضحاً للقضايا العربية، وهو ما تؤكده تصريحات المسئولين والسلوك التصويتى لروسيا داخل الأمم المتحدة، وتحركاتها فى إطار اللجنة الرباعية. فقد أيدت روسيا عدداً من القرارات الهامة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، آخرها تأييد قرار الجمعية العامــة (10/13) فى أكتوبر 2003، الذى يدين تصرفات إسرائيل فى الأراضى المحتلة وبناءها للجدار العازل، الذى اعتبرته روسيا عملاً غير شرعى. كما أنها أعربت فى أكثر من مناسبة عن رفضها لإقامة المستوطنات، وتؤكد دوماً أن القدس جزء من الأراضى المحتلة
كما تؤكد روسيا على حق الفلسطينيين فى إقامة دولتهم، وضرورة التطبيق غير المشروط لخارطة الطريق التى تستهدف إقامة دولة فلسطينية. بل إنها نجحت فى استصدار قرار
مجلس الأمن رقم 1515 بناء على اقتراح روسى والذى يقر خارطة الطريق ويجعل منها قراراً ملزماً بدلاً من كونها مجرد مبادرة من اللجنة الرباعية. كما رفضت دعوات الولايات المتحدة واسرائيل لمقاطعة الرئيس الفلسطينى الراحل عرفات بدعوى التشجيع على ظهور قائد فلسطينى جديد.
وفيما يتعلق بالملف العراقى كان الموقف الروسى الرافض للاحتلال الأمريكى للعراق واضحاً منذ بدء الأزمة العراقية، وكان التأكيد الروسى الدائم على ضرورة الانسحاب الأمريكى من الأراضى العراقية وحل القضية العراقية فى إطار الشرعية الدولية ومن خلال الأمم المتحدة، وحق الشعب العراقى فى اختيار حكومته وإدارة شئون بلاده

حدود سياسة روسيا

إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن هذا التأييد لا يتجاوز التأييد الدبلوماسى واللفظى. ومازالت روسيا غير قادرة على لعب دور حقيقى فى عملية التسوية السلمية، وكذلك فى الضغط على الولايات المتحدة بشأن العراق شأنها فى ذلك شأن كثير من الدول الكبرى الرافضة للسلوك الأمريكى فى العراق، والإسرائيلى فى فلسطين. ويمكن تفسير ذلك بالنظر إلى عدة اعتبارات
أولها: الهيمنة الأمريكية على شئون الشرق الأوسط، وخاصة عملية التسوية السلمية وحرص الولايات المتحدة على القيام بدور الوسيط الوحيد فيها، منذ مبادرة كارتر فى أكتوبر 1977. فصحيح أن أزمة الخليج الثانية فرضت ضغوطاً من أجل تضافر الجهود وتدخل كافة الأطراف المؤثرة، إلا أنه كان واضحاً منذ البداية أن الاتحاد السوفيتى هو الراعى الثانى لعملية السلام بعد الولايات المتحدة، وأن دوره محدود وشكلى. كما أن الولايات المتحدة عادت لتنفرد بدور الوسيط الأوحد فى المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية والأردنية، ولم يكن لروسيا دور فى الاتفاقات التى تم التوصل إليها. وقد تأكد ذلك عندما لم توجه دعوة للرئيس بوتين لحضور مؤتمر شرم الشيخ عام 2000
والواقع أن القيادة الروسية تدرك أن الولايات المتحدة هى الفاعل الأساسى فى المنطقة وفى عملية السلام ولا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة فى ذلك
ثانيها: افتقار روسيا لمقومات التأثير والضغط على الأطراف المختلفة وخاصة إسرائيل. فما يقال عن اليهود الروس المهاجرين فى اسرائيل وأنهم ورقة فى يد روسيا، أمر يحتاج إلى تدقيق. فصحيح أن عدد المهاجرين الروس فى إسرائيل يبلغ حوالى مليون نسمة من أصل مجموع السكان البالغ 6.2 مليون نسمة (16%)، وينخرطون فى حزب للناطقين بالروسية وهو حزب اسراييل بيتنا الذى يرأسه ناتان شارانسكى، كما أن لديهم العديد من الصحف والبرامج التليفزيونية باللغة الروسية، وهو ما يعكس حرصهم على استمرار التواصل مع ثقافتهم ولغتهم الروسية خاصة هؤلاء الذين هاجروا فى مطلع التسعينات
إلا أنه لا يمكن اعتبارهم ورقة ضغط يمكن لموسكو استغلالها فى مواجهة إسرائيل حيث لا يكترث هؤلاء كثيراً بمصالح روسيا وتوجهات السياسة الروسية فى المنطقة، ولا يمكن التعويل على ولائهم لروسيا باعتباره أمراً مشكوكاً فيه
ثالثها، رغم تأكيد روسيا الدائم على تأييدها للحق الفلسطينى وضرورة التزام إسرائيل بتنفيذ كافة الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين والمحافظة على مرجعية مدريد وتطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام، فإن المدقق فى السلوك الروسى يتبين أن الموقف الروسى من القضية الفلسطينية يتسم بقدر كبير من التوازن القائم على عدم التحيز الواضح لأحد الطرفين حيث تحرص روسيا على الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع إسرائيل

النفوذ اليهودى

رابعها، أن النفوذ اليهودى داخل روسيا لايمكن تجاهله. فقد استطاع عدد من اليهود الروس، بدعم من الولايات المتحدة، إقامة إمبراطوريات إعلامية واقتصادية اكتسبت نفوذاً سياسياً واسعاً خلال فترة الرئيس الروسى السابق بوريس يلتسين. وتضمن ذلك السيطرة على عدد من الصحف والقنوات التليفزيونية الخاصة، إلى جانب شراء العديد من المنشآت الاقتصادية العملاقة بأبخس الأسعار فى إطار عملية الخصخصة التى قام بها. بل إن نفوذهم قد أمتد إلى الكرملين ذاته وأصبح لهم تأثير قوى على عملية صنع القرار، واختيار المسئولين التنفيذيين فى مختلف المواقع
ويحاول الرئيس بوتين منذ توليه السلطة تحجيم هذا النفوذ، وكان اعتقال الملياردير اليهودى فلاديمير جوسينسكى صاحب أكبر امبراطورية إعلامية خاصة فى روسيا فى يونيو 2000 أولى خطوات هذا التوجه، ومؤخراً اعتقال ميخائيل خودروكوفسكى رئيس مجلس إدارة شركة يوكوس النفطية الروسية عام 2003
ويأتى هذا التوجه من جانب القيادة الروسية استجابة للحس القومى الروسى الذى يبدو أحيانا وكأنه مناهض لليهود، وتعتبر الرسالة التى بعث بها 19 نائباً فى الدوما (المجلس الأدنى فى البرلمان الروسى) أواخر يناير إحدى صور الرفض القومى للنفوذ اليهودى حيث طالبوا بمنع كافة الاتحادات الدينية والقومية اليهودية فى روسيا لتتبعها وملاحقاتها للقوميين الروس، الأمر الذى أثار كبير حاخامات روسيا بيرل لازر وكذلك الناطق باسم المؤتمر اليهودى الروسى يوروخ جورين وغيرهم من الشخصيات اليهودية فى موسكو واتهامهم القوميين بمعاداة السامية
فى هذا الإطار يصعب تصور نفوذ يهودى قادر على عرقلة التعاون العربى الروسى إذا كان لروسيا مصالح حقيقية وراء هذا التعاون. يؤكد ذلك عدم استجابة روسيا للضغوط الإسرائيلية والأمريكية الشديدة لوقف تعاونها التقنى والعسكرى مع إيران نظراً للعائد الاقتصادى المرتبط بهذا التعاون

قواعد اللعبة

خلاصة القول إن القيادة الروسية لديها رؤية إيجابية للغاية لإمكانيات التعاون مع الدول العربية، ولديها رغبة صادقة فى تقديم مساعدة حقيقية وفعالة للدول العربية فى حالة وجود صيغة واقعية تستند على المصالح المشتركة، ويمكن لروسيا أن تمثل شريكاً أساسياً فى تحقيق بعض الأهداف العربية ذات الأهمية سواء بالنسبة لكل دولة على حدة أو لمجمل الدول العربية، فروسيا دولة جادة وواقعية فى نفس الوقت
لكن على الدول العربية أولا فهم معطيات هذا التعاون، من خلال عملية إعادة تقدير جادة، يتم من خلالها إدراك وجود إمكانيات حقيقية لدى روسيا يمكن استنادا عليها إرساء علاقات قوية، تدعم قطاعات حيوية داخل الدول العربية، وليس المقصود بذلك القطاعات العسكرية فقط، كما يجب تحديد ما الذى تريده الدول العربية بالضبط، وكيف يمكن إقامة علاقات التعاون على النحو الذى يحقق مصالح الطرفين العربى والروسى، فلم يعد من الممكن التعامل مع روسيا على أنها الاتحاد السوفيتى، لكن لا يجب أيضا أن يتم التعامل معها على أنها خيار آخير أو تكتيكى، أو أن العلاقات معها يمكن أن توظف كإشارة لأطراف أخرى، فمحاولة تسييس العلاقة مع روسيا خارج نطاق التعاملات المعتادة بين الدول، فى ظل وهم تحقيق التوازن، لن يفيد كثيرا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق